ابن سبعين

163

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

ولم يخرجاه . قلت : لأن في سنده أبا قدامة الحارث بن عبيد الإيادي ، وقد قال أحمد : مضطرب الحديث ، وقال ابن معين : ضعيف ، لكن أخرج له البخاري في المتابعات ، واحتجّ به مسلم ، واللّه أعلم . فهذا الحديث مع الذي قبله يدل على أن ذلك كان بالمدينة ؛ لأن عائشة أخبرت عن مشاهدة ذلك ، وهي لم تكن عنده صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، ويعارض ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عن جابر : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فذهب ليبعث معه ، قال : « يا عمّ ، إن اللّه قد عصمني ، لا حاجة لي إلى من تبعث « 1 » » . وما أخرجه الطبراني وغيره عن ابن عباس : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحرس ، وكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم حتى نزلت هذه الآية : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، قال : فأراد عمّه أن يرسل معه من يحرسه ، فقال : « يا عمّ ، إنّ اللّه قد عصمني من الجنّ والإنس « 2 » » . فهذا الحديث والذي قبله يدلان على أن نزول الآية بمكة في أوائل الأمر ، فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايات ، وما في الصحيح أولى ، لكنا نلتزم تأخر نزول الآية بالمدينة ، وندعي أن الإنكار كان داخلا وكان في عموم التشريع لمن هو مخاطب به ، بشرط استطاعته له صلّى اللّه عليه وسلّم وهي الأمن من مفسدة تحصل له ، بدليل عموم قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 159 ] . فلما نزلت آية العصمة وجب الإنكار مع الاستطاعة وعدمها ؛ لأن اللّه تعالى تولّى حفظه وعصمته ، ولهذا كان أولا يحتاج إلى الحرس ، وثانيا لا يحتاج إليه ، وهذا معنى بديع تزول به إشكالات كثيرة ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) ذكره ابن كثير في التفسير ( 2 / 78 ) . ( 2 ) رواه الطبراني في الكبير ( 11 / 257 ) .